جمود الأخلاق السياسية معضلة الألفية الثالثة

جمود الأخلاق السياسية معضلة الألفية الثالثة

حنان الزيتوني

 

ابتعاد السياسة عن الأخلاق، صورة لا إنسانية أضحت بارزة بدرجة لم يشهد التاريخ لها مثيل، فالمجتمع اليوم يعيش على ظلالها ويتظاهر بالتعايش رغم المأساة المحيطة به، فواقع المؤسسات والأحزاب أصبح كغابة شرسة يتصارع فيها الجميع مع الجميع، ومن يحاول أن ينأى بنفسه عن الصراع، عليه الرضى بأن يقبل دور الضحية والتي غالبا ما يجسدها بصدق نظرا لقرابة الموضوع له، وإلا سيكون مفترسا لا يكترث سوى لمصالحه.

 

واقع الأزمة الروسية ضد أكرانيا أثبت حقيقة “ما خفي كان أعظم”, فما تخفيه الدول لبعضها البعض لا يمكننا كشفه إلا من خلال أزمة معينة مست واحدة من الدول، وهنا لابد أن تبدأ معالم الأخلاق بالظهور على سطح الواقع وإلا فصورة الإنسانية ستظهر مشوهة ومزيفة في غرائزها الأكثر عمقا.
تزييف قد يبلغ حد تقديس القيم المعكوسة المناقضة لتلك التي كان بإمكانها أن تضمن النمو والمستقبل.

 

تناولت الفلسفة موضوع الأخلاق والسياسة بعمق وحميمية غريبة، نظرا لأهمية الموضوع إلا أنه اليوم قد يبدو ترفا فكريا أو تأصيلا نظريا أكثر من كونه محاولة لفهم الوقائع السياسية نظرا لما يتبناه بعض من المسؤولين في الوقت الراهن المتمثل في فكرة، “الممارسة السياسية لا تقتضي الأخلاق”، إضافة إلى طرح آخر يقول إن التحليل والتمعن في الأخلاق والسياسة كظاهرة قد يفضي بنا إلى عموميات وتنظيرات بلا فائدة.

 

لكن ما شاب الأحداث العالمية الراهنة من أحداث أعاد مجددا سؤال علاقة السياسة بالأخلاق، وصلة الممارسة السياسية بالمبادئ.

 

إن مسارات الدول وقراراتها تحددها المصالح الاقتصادية والسياسة أو غيرها، قد يعد قولا صحيحا لكنه غير كاف، فالدولة محكومة أيضا بمبادئ عامة وضعتها لنفسها، وتودعها في قوانينها ودساتيرها وفي توجهاتها الدبلوماسية والاقتصادية، إذ نستطيع القول إن هذه هي طريقة سير البحث عن المصالح ليكون متوازيا مع احترام المبادئ العامة التي تعتمدها الدول.

 

لكن يحدثُ أيضا أن “تخونَ” الدول مبادئها، لا من أجل المصالح كما يفترض، بل أحيانا لمجرد إفساد مصالح الآخرين أو لزرع العقبات في طريق نجاح الخصوم.

 

لقد كانت “الفلسفة السياسية” فلسفة أخلاق بالدرجة الأساس. كما أن السياسة كانت فنا قاعدته الأخلاق، ليتحول الأمر فجأة كما نشهد اليوم إلى ظلمة مكفهرة، يلزمها الوضوح بين كل أزمة وأخرى، والنظر في واقعنا يكشف صورا كثيرة من هذا الوعي المزيف بالأخلاق السياسية، والأخطر من ذلك أن يصل إلى بعض الشباب باعتبارهم مشعلا لما هو قادم، وأن يروجوا لأطروحات خاطئة حول سياسة عارية ينقصها لحاف الأخلاق رغم أنهم من ضحايا هذا الجمود السياسي، ويضل بهم السبيل إلى اكتساب وعي شقي مزدوج، والأصل هو ضياع الأخلاق، ونقصد هنا أخلاق الإصلاح السياسي.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقك